الشفاعة وموقعها من التوحيد
تُعدُّ الشفاعة في القرآن الكريم من المفاهيم المركزية التي تمس صميم العقيدة الإسلامية، حيث تترابط رحمة الله الواسعة مع عدله المطلق. فهي ليست مجرد فكرة لاهوتية مجردة، بل هي باب من أبواب الأمل للمؤمنين، مقرون بضوابط دقيقة تحفظ كمال التوحيد وسلطان الله تعالى المتفرد. هذا المقال يستعرض مفهوم الشفاعة كما ورد في النصوص القرآنية، مُسلطًا الضوء على أصولها وحدودها وفلسفتها في الإيمان الإسلامي.
الشفاعة: التعريف والمبدأ الأساسي
الشفاعة في اللغة هي الوساطة والتوسط للغير لجلب منفعة أو دفع ضرر. أما شرعًا، فهي التوسُّط لدى الله تعالى يوم القيامة بالقول أو الفعل، لإنقاذ مستحقٍّ من العذاب، أو لرفع درجته في الجنة. والمبدأ القرآني الأصيل الذي تنبني عليه كل التفاصيل هو:
أن الشفاعة الحقَّة والمطلقة هي لله وحده.
يقول تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]. فهي من خصائص الألوهية، ولا يُشرك اللهُ فيها أحدًا إلا بإذنه ومشيئته، كما يؤكد ذلك في أعظم آية في القرآن: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
الضوابط الشرعية للشفاعة النافعة
لا تتم الشفاعة بشكل عشوائي أو بناءً على هوى الأشخاص، بل تحكمها ضوابط دقيقة وردت في القرآن، أهمها:
1. إذن الله تعالى: الشرط الجوهري
لا يملك أي مخلوق – مهما علت منزلته – حق الشفاعة مستقلاً.
فالإذن الإلهي هو الفيصل. يقول تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ
لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ}
[النجم: 26]. وهذا يقطع الطريق على أي فهم خاطئ يجعل من الأنبياء أو الصالحين أربابًا من دون الله.
2. الرضا عن المشفوع له: ضابط العدل
حتى مع وجود الإذن، لا تُمنح الشفاعة إلا لمن رضي الله عنه وأذن له
بالشفاعة فيه. فليست الشفاعة وسيلة لإنقاذ الكفار أو العصاة
المصرين على معاصيهم. يوضح القرآن دور الملائكة والأنبياء في هذا
الصدد: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ} [الأنبياء: 28]. فهي إذن محصورة
في دائرة أهل الإيمان والتوحيد الذين قصرت بهم أعمالهم عن دخول الجنة بلا عذاب.
3. التوحيد: الشرط الأساسي لقبول الشفاعة
أكبر مانع يحرم صاحبه من الشفاعة هو الشرك بالله. يقول تعالى: {فَمَا
تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]. فمن مات على الشرك فلا
شفاعة له، ولا أنصار. فالتوحيد الخالص هو التذكرة الأساسية التي
يقدمها القرآن عند الحديث عن الشفاعة.
أصناف الشفاعة يوم القيامة
يذكر القرآن والسنة أنواعًا للشفاعة، أهمها:
الشفاعة العظمى (المقام المحمود)
وهي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عندما يشفع عند
الله بعد أن يقف الخلائق لفصل القضاء، فيريحهم الله من هذا
الموقف الطويل. وهي المقام الذي وعده الله إياه في قوله:
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].
شفاعة المؤمنين في إدخال أقاربهم الجنة
وهي شفاعة يشفعها المؤمنون لأهلهم وأقاربهم من المؤمنين الذين استحقوا النار بذنوبهم، فيخرجون منها بشفاعة من أذن الله له في الشفاعة.
شفاعة الشافعين في رفع درجات المؤمنين في الجنة
وهي زيادة في التكريم والإكرام لأهل الجنة.
الشفاعة والتوحيد: توضيح العلاقة
يجب أن يكون فهم المسلم للشفاعة منسجمًا مع عقيدة التوحيد التي هي جوهر الإسلام:
- الشفاعة المُنَفِيَّة: هي التي تُطلب من دون الله، أو يعتقد فيها استقلال الشافع بمنحها دون إذن الله. وهذا شرك أكبر.
- الشفاعة المُثْبَتَة: هي التي تُطلب من الله وحده، مع الاعتقاد أن الشافع (كالنبي صلى الله عليه وسلم) هو مجرد سبب بإذن الله، وأن النافع والضار هو الله تعالى.
وهذا الفرق الجوهري يحول دون تحول الشفاعة إلى وسيلة للشرك، ويبقي القلب متعلقًا بالله وحده رجاءً وخوفًا.
خلاصة: الشفاعة بين الرحمة والعدل
الشفاعة في القرآن الكريم هي تعبير رائع عن توازن المشيئة الإلهية بين رحمته الواسعة وعدله القائم. فهي رحمة للمؤمنين، وعلامة على تكريم الله لأنبيائه وأولياءه، وفي الوقت نفسه، هي عدل لأنها لا تُمنح إلا لمن استوفى شرطي الإيمان والتوحيد. لذا، يبقى السعي الحقيقي للمسلم هو نيل رضا الله تعالى بالأعمال الصالحة واجتناب الشرك والمعاصي، فذلك هو الطريق الأمثل لنيل شفاعة الرحمن، في ذلك اليوم العظيم الذي {لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].
.webp)