الهداية في القرآن | من البيان إلى التوفيق

A.H
المؤلف A.H
تاريخ النشر
آخر تحديث
 الهداية في التصور القرآني | مراتبها، أسبابها، وأثرها في فهم القدر والاختيار

مقدمة.

 سؤال الوجود والغاية

يظل سؤال الهداية: كيف نصل إلى الحق؟ من أعمق الأسئلة الوجودية التي تشغل الإنسان. ويتجلى هذا التساؤل بإلحاح عند قراءة النصوص القرآنية، حيث نجد أن الهداية تُنسَب أحيانًا إلى الله تعالى وحده، وأحيانًا تُثبَت للنبي ﷺ.
ينطلق هذا المقال لتتبع مفهوم الهداية في القرآن الكريم عبر مستوياته المتكاملة، وبيان العلاقة الدقيقة بين قدر الله واختيار الإنسان، مع تحديد دور الأنبياء، وتجنب الانزلاق إلى مزلقَي الجبر أو التفويض المطلق.


الفصل الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للهداية

أولًا: المعنى اللغوي

الهداية في أصل اللغة العربية مشتقة من الفعل هَدَى، وتعني: الإرشاد والدلالة بلطف إلى الطريق الموصِل للغاية.
وهي بذلك لا تحمل معنى الإكراه أو الجبر، بل تفيد التيسير، والتعريف، وإظهار السبيل لمن طلبه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي في الاستعمال القرآني

يتسع مفهوم الهداية في القرآن الكريم ليشكّل منظومة متكاملة من العطاء الإلهي؛ فهي لا تقتصر على التوجيه اللفظي، بل تبدأ بـإعداد الفطرة، ثم بيان الشرع، وتنتهي بـالتوفيق للعمل والثبات عليه.
ولهذا يقرر القرآن بوضوح أن المصدر الحقيقي للهداية هو الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.

  • الهداية في التصور القرآني | مراتبها، أسبابها، وأثرها في فهم القدر والاختيار





الفصل الثاني: مراتب الهداية في المنظور القرآني

من خلال استقراء النصوص، يمكن تمييز ثلاث مراتب متدرجة للهداية:

1. الهداية التكوينية العامة (هداية الفطرة)

مفهومها:
هي الهداية التي أودعها الله في جميع المخلوقات، فهداها إلى ما تقوم به حياتها وتستمر. وتشمل الإنسان والحيوان، وتعمل عبر الغريزة والنظام الفطري.

دليلها القرآني:
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50].
ويُهيَّأ الإنسان فطريًا لمعرفة ربه، كما في قوله تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].


2. الهداية التشريعية الإرشادية (هداية البيان)

مفهومها:
وهي الهداية التي جاءت بها الرسل عن طريق الوحي، ووظيفتها بيان الحق من الباطل، والخير من الشر، وإقامة الحجة على الناس.
عند هذا المستوى يصبح الإنسان مخاطَبًا ومسؤولًا عن اختياره.

أدلتها القرآنية:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] أي بيّنّا له طريقي الخير والشر.
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] أي تهدي بمعنى تُبيّن وتُرشد.

من السنة النبوية:
قال ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ، وَاللَّهُ يَهْدِي» (رواه البخاري).
فوظيفة النبي ﷺ هي البلاغ والبيان، لا الإكراه ولا خلق الإيمان في القلوب.


3. الهداية التوفيقية الخاصة (هداية القلوب)

مفهومها:
وهي أخص مراتب الهداية، وتتمثل في تيسير القلب لقبول الحق بعد البيان، ثم تثبيت العبد على الإيمان والعمل.
وهذه المرتبة محض فضل إلهي لا يملكها إلا الله تعالى.

دليلها القرآني:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
وقال ابن عاشور: الهداية المنفية عن النبي هي خلق الإيمان في القلوب، والمثبتة له هي هداية البيان والدلالة.


الفصل الثالث: الجمع بين النصوص الظاهرة التعارض

الإشكال:

كيف نوفّق بين الآيات التي تنفي الهداية عن النبي ﷺ، وتلك التي تثبتها له؟

الجواب:

التمييز بين مراتب الهداية هو مفتاح الحل:

  • الهداية التوفيقية القلبية: خاصة بالله وحده.

  • هداية النبي ﷺ: هداية البيان والإرشاد، وهي سبب ووسيلة.

النتيجة:
لا تعارض بين النصوص، بل تكامل محكم بين دور الرسول ﷺ ومشيئة الله تعالى.


الفصل الرابع: الهداية بين الاختيار الإنساني والعون الإلهي

يرسم القرآن تصورًا متوازنًا للهداية، يجمع بين المسؤولية الإنسانية والفضل الإلهي:

  • توافر أسباب الهداية للجميع: فطرة، عقل، ووحي.

  • حرية الاختيار محفوظة:
    ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].

  • التوفيق ثمرة السعي الصادق:
    ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17].

  • الدعاء مفتاح الهداية المستمرة:
    ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.


الفصل الخامس: تطبيقات عملية لتحرّي الهداية

فهم مراتب الهداية ينعكس عمليًا في حياة المسلم عبر:

1. صيانة الفطرة

بالابتعاد عن الشبهات والشهوات التي تفسد القلب.

2. طلب هداية البيان

بالتعلم من القرآن والسنة وفهم الدين من مصادره الصحيحة.

3. تحرّي أسباب التوفيق

ومنها:

  • الإخلاص لله.

  • الإكثار من الدعاء.

  • العمل بما عُلِم.

  • صحبة الصالحين.

  • فقه الاختلاف والدعوة بالحكمة.


الخاتمة: الهداية رحلة متكاملة

الهداية في التصور القرآني ليست لحظة عابرة، بل رحلة متكاملة الحلقات:

  • يبدأها الله بالفطرة.

  • ويقيم الحجة بالوحي والبيان.

  • ويختار الإنسان بإرادته.

  • فيثيب الله الصادقين بالتوفيق والثبات والزيادة.

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76].

تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 17/03/2025
♻️
تحديث 27/01/2026

تعليقات

عدد التعليقات : 0