الفصل الأول: مدينة تسأل عن العدل
في مدينة سمرقند الجميلة، ذات القصور المزينة والقباب الزرقاء التي تتراقص تحت أشعة الشمس، كان الكهنة يجتمعون في هيكل النار المقدس. وجوههم عابسة، وقلوبهم مثقلة بالهم. لقد سقطت مدينتهم في أيدي المسلمين منذ سنوات، ولكن شيئاً ما كان يختمر في صدورهم.
قال كبير الكهنة بصوت يقطر حزناً: "لقد دخلوا مدينتنا بالسيف، ولم يدعوننا إلى دينهم، ولم يعرضوا علينا الجزية، ولم يمهلونا ثلاثاً كما يفعلون مع الأمم. لقد خالفوا شريعتهم التي يزعمون أنها عادلة."
نظر الكهنة بعضهم إلى بعض. ثم أخرج أحدهم لفافة من الحرير وقال: "سأكتب رسالة إلى خليفتهم. إلى عمر بن عبد العزيز. لقد سمعنا عنه أنه رجل عادل، يخاف الله في رعيته. فلنحكِ له ما حدث، ولنرَ: هل عدالتهم حقيقة أم كذبة؟"
كتبوا الرسالة، ثم التفتوا إلى شاب منهم اسمه "فيروز"، كان أشجعهم وأجرأهم. قالوا له: "خذ هذه الرسالة إلى دمشق، إلى دار الخلافة. ستعبر بلاداً وقفاراً، وستلقى أهوالاً. ولكن إن وصلت، فستعرف حقيقة هؤلاء القوم."
أخذ فيروز الرسالة ووضعها في جيبه، وانطلق في رحلة لا يعلم مداها.
الفصل الثاني: الطريق إلى المجهول
مشى فيروز شهوراً. عبر أنهاراً جافة، وجبالاً شاهقة، وودياناً موحشة. كان يسأل عن الطريق، والناس يدلونه. كلما دخل قرية أو مدينة، سأل عن المسلمين، فرآهم يعيشون حياة بسيطة، ويصلون في مساجد متواضعة.
وفي أحد الأيام، وبينما هو يسير في الطرقات، حدث نفسه: "سأصل إلى دمشق، وسأسأل عن دار الخليفة. ولكن ماذا سأفعل إذا قالوا لي: هذا هو القصر؟ هل سأدخله بكل جرأة؟ لقد عاهدت نفسي ألا أنطق باسم الخليفة حتى أراه بعيني، وإلا قُبض عليّ."
وبعد شهور من التعب، ظهرت دمشق أمامه كحلم جميل. القباب الخضراء، والحدائق الغناء، والبيوت المتلاصقة. قال في نفسه: "ها هي ذي عاصمة هؤلاء القوم. الآن سأعرف حقيقتهم."
الفصل الثالث: المفاجأة التي غيرت كل شيء
دخل فيروز دمشق، وإذا به يرى أبنية عظيمة، وأسواقاً مزدحمة، وناساً يختلفون ويجيئون. ثم لمح أعظم بناء في المدينة، له قبة خضراء ومئذنة شاهقة. قال في نفسه: "لا شك أن هذا هو قصر الخليفة."
دخل البناء، فإذا ناس يدخلون ويخرجون، وإذا آخرون يركعون ويسجد بخشوع، وإذا حلقات علم يتناقش فيها الناس. اقترب من رجل طاعن في السن، وقال له: "أهذه دار الوالي؟"
ضحك الرجل وقال: "لا يا بني، هذا هو المسجد."
قال فيروز: "المسجد؟"
قال الرجل: "أراك غريباً. صليت معنا؟"
قال فيروز: "وما صليت؟ وما دينك؟"
قال الرجل: "أنا على دين الإسلام."
قال فيروز: "وأنا على دين أهل سمرقند. أتبع دين النار."
جلس الرجل مع فيروز، وبدأ يحدثه عن الإسلام. عن الله الواحد، وعن العدل، وعن الرحمة. كان الرجل يتحدث بحب، وفيروز يصغي باهتمام. وبعد ساعات، رأى فيروز النور. قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله."
دموع الفرح غمرت الرجل العجوز. احتضن فيروز وقال: "الآن أنت أخي في الدين."
قال فيروز: "أنا رجل غريب، أريد السلطان. دلني عليه يرحمك الله."
قال الرجل: "أتعني الخليفة؟"
قال فيروز: "نعم."
أشار الرجل إلى طريق وقال: "اسلك ذلك الطريق حتى تصل إلى تلك الدار." ثم توقف برهة، وأشار إلى طريق آخر وقال: "لا، ولكن اسلك هذا الطريق، فتلك دار الخليفة إن كنت تريده."
الفصل الرابع: الطيان الذي كان خليفة
سار فيروز في الطريق الذي أشار إليه الرجل. كان يتوقع قصراً عظيماً، وحرساً على الأبواب، وجلالاً يرهب القلوب. ولكنه فوجئ بدار من طين، بسيطة متواضعة، لا تختلف عن دور الفقراء.
اقترب فيروز، فإذا برجل يمسك طيناً بيديه، ويسد به ثلمة في جدار الدار. وامرأة تناوله الطين من الداخل. الرجل بسيط الثياب، متواضع الهيئة، يعمل بيديه كأي عامل.
تراجع فيروز مذهولاً. عاد مسرعاً إلى الرجل العجوز الذي دلّه، وقال له منفعلاً: "أسألك عن دار الخليفة، وتدلني على طيان؟!"
ابتسم الرجل العجوز وقال: "هو ذاك الخليفة. هو عمر بن عبد العزيز، أمير المؤمنين."
وقف فيروز مكانه مصعوقاً. خليفة المسلمين... أعظم رجل في الدولة... يصلح جدار بيته بيديه؟! يا للهول! أي أمة هذه؟!
الفصل الخامس: الرسالة تصل
تردد فيروز قليلاً، ثم عاد إلى الدار الطينية. طرق الباب بخجل. اختفت المرأة، وخرج الرجل نفسه. مسح يديه من الطين، وسلم على فيروس برحابة، وقال: "مرحباً بك. ما حاجتك؟"
نظر فيروز إلى وجه الخليفة. كان وجهه مشرقاً، وعينين تتقدان ذكاءً وحناناً. مد يده المرتجفة، وأخرج الرسالة من جيبه، وقال: "هذه رسالة من كهنة سمرقند."
أخذ عمر بن عبد العزيز الرسالة، وقرأها بتمعن. قرأ عن شكوى أهل سمرقند، عن فتح مدينتهم دون دعوة ولا إنذار. ثم قلب الرسالة وكتب على ظهرها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند. أما بعد: فانصب قاضياً ينظر فيما ذكر أهل سمرقند. والسلام."
ختم الرسالة وناولها لفيروز. قال فيروز: "أهذا كل شيء؟"
قال عمر مبتسماً: "هذا كل شيء. اذهب إلى سمرقند، وأعط الرسالة للوالي، وسيرى الله عدله."
الفصل السادس: الورقة التي لا تساوي شيئاً
خرج فيروز من دار الخليفة، والرسالة في يده. كان يمشي في طرقات دمشق، والدهشة تغمره. كان يقول في نفسه: "يا للهول! كل هذه الرحلة الطويلة، وكل هذه المشقة، والنتيجة ورقة صغيرة بكلمات قليلة؟ لو أني خشيت أن يكذبني أهل سمرقند، لألقيت هذه الورقة في أول الطريق."
ثم فكر ملياً: "ماذا ستفعل هذه الورقة أمام جيش قتيبة؟ أمام ذلك القائد العظيم الذي دوخ شرق الأرض كلها؟ كلمات قليلة تكتب على ظهر رسالة، وتخرج جيوشاً عرمرماً من مدينة فتحتها؟ هذا مستحيل."
ومشى فيروز في طريق العودة. كان الآن مسلماً، يدخل كل بلد يصادفه، ويصلي في مسجده. وكان الناس يكرمونه، ويحتفون به. ولكن قلبه كان معلقاً بسمرقند، وبالورقة التي يحملها.
الفصل السابع: الظلمة التي أظلت سمرقند
بعد شهور، وصل فيروز إلى سمرقند. كان الكهنة في انتظاره بفارغ الصبر. لما رآه كبير الكهنة، قال: "أخيراً جئت. هل قابلت الخليفة؟ هل أرسل جيشاً لينصفنا؟"
سلم فيروز الرسومة إلى كبير الكهنة. فتح الكهنة الرسالة، وقرأوا كلمات عمر بن عبد العزيز. وإذا بهم يصعقون. قالوا: "أهذه هي النتيجة؟ رسالة إلى الوالي أن ينصب قاضياً؟"
ولكن فيروز قال: "لقد رأيت بعيني عدالتهم. انتظروا وستشهدون العجب."
أظلمت الدنيا في عيون الكهنة. قالوا: "ضاقت علينا الأرض بما رحبت. ما هذا الذي جئتنا به؟"
ومع ذلك، ذهبوا إلى عامل عمر بن عبد العزيز في سمرقند. قرأ الرسالة، فغير لونه. ثم قال: "سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين."
نصب القاضي جميح بن حاضر الباجي، وهو رجل معروف بالورع والعدل. وحدد يوماً للنظر في القضية.
الفصل الثامن: المحاكمة
في اليوم المحدد، اجتمع الناس. أهل سمرقند على جانب، وقادة الجيش الإسلامي على جانب، والقاضي جميح في الوسط. تقدم فيروز والكهنة، وقالوا:
"أيها القاضي، إنا نظلمك. اجتاحنا قتيبة بن مسلم قبل سنوات، فدخل مدينتنا عنوة، ولم يدعنا إلى الإسلام، ولم يعرض علينا الجزية، ولم يمهلنا ثلاثاً كما هي عادة المسلمين في فتوحاتهم. إن هذا مخالف لدينكم الذي تزعمون أنه عادل."
التفت القاضي إلى ممثل الجيش الإسلامي، قائد قتيبة (الذي كان قد مات رحمه الله). قال: "ما قولك فيما يذكر هؤلاء؟"
وقف الرجل وقال بصراحة: "صدقوا يا قاضي. كانت أرضهم خصبة واسعة، وكان قتيبة يخشى إن أمهلهم وأذنهم أن يتحصنوا ويتأهبوا، فتكلفنا خسائر أكبر. ولكنه معذور، فقد كان يريد فتح المدينة بسرعة لينشر الإسلام في هذه الربوع."
نظر القاضي في الأرض طويلاً. ثم رفع رأسه، وقال كلمته التاريخية:
"لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله، وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً ولا بطراً. نحن دعاة هداية، لا غزاة طغيان. إن ما فعله قتيبة مخالف لشريعة الله وسنة نبيه. ولذلك، أقضي بأن يخرج الجيش الإسلامي من سمرقند بأكمله. ثم يدعوهم قائدهم من جديد: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال. هذا هو العدل، وهذا هو الإسلام."
الفصل التاسع: الخروج الذي لم يتوقعه أحد
ساد صمت رهيب المكان. لم يصدق أهل سمرقند ما سمعوه. جيش كامل يخرج من مدينة فتحها بدمائه؟!
ولكن ما زادهم دهشة أن قادة الجيش قالوا: "سمعنا وأطعنا لله ثم للقاضي."
بدأ الجيش الإسلامي يخرج من سمرقند. الجند يلفون متاعهم، والقادة يركبون خيولهم، والرايات تنكس. خرجوا جميعاً، حتى آخر جندي، حتى لم يبق في سمرقند مسلم واحد.
وقف أهل سمرقند على أسوار مدينتهم، ينظرون إلى هذا المشهد الذي لا يصدق. دموع في عيون بعضهم، ودهشة في عيون الآخرين. قال أحد الكهنة: "أي أمة هذه التي تخرج جيشها المنتصر لأنها أخطأت في حق أعدائها؟"
وقال آخر: "والله إن هذا لهو الدين الحق."
الفصل العاشر: الفتح الحقيقي
ما إن غربت شمس ذلك اليوم، حتى عاد الجيش الإسلامي بقيادة جديدة، ووقف قائده أمام أسوار سمرقند، ونادى بأعلى صوته:
"يا أهل سمرقند، أدعوكم إلى الإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا. فإن أبيتم، فعليكم الجزية نحميكم بها ونكف عن قتالكم. فإن أبيتم، فاستعدوا للحرب. والله لا نرضى لكم إلا الخير."
نزل أهل سمرقند من أسوارهم. اجتمع الكهنة والعامة والنبلاء. قال كبير الكهنة: "رأينا اليوم ما لم نره في تاريخ البشرية كله. أمة تحكمها الشريعة حتى على جيشها وقائدها. أمة حكمها رحمة ونعمة. أمة تخرج من مدينة فتحتها لتعدل مع أعدائها. هذا الدين حق، وهذه الشريعة عدل."
و اليوم العظيم، دخل آلاف من أهل سمرقند في دين الله أفواجاً. كانوا يلقون بأنفسهم على الجنود المسلمين، يعانقونهم، ويعلنون إسلامهم. وأول من أعلن إسلامه كان كبير الكهنة نفسه.
أما الذين بقوا على دينهم، فدفعوا الجزية عن طيب خاطر، وهم يقولون: "إن عدالتهم أغلى من ذهبنا."
الخاتمة: درس في العدل
وقف فيروز على تلة قريبة من سمرقند، ينظر إلى الناس يدخلون في دين الله، وإلى رايات الإسلام تخفق في سماء مدينته. ابتسم وقال:
"الآن عرفت لماذا لم تكن تلك الورقة تافهة. لأنها حملت كلمة حق. والكلمة الحق أقوى من ألف جيش."
وظلت سمرقند منارة للإسلام، تروي لأجيالها قصة العدالة التي فتحت قلوبهم قبل أن تفتح مدينتهم. قصة الخليفة الذي كان يصلح جدار بيته بيده، والقاضي الذي جرؤ على إنصاف غير المسلمين من جيش المسلمين، والجيش الذي أطاع أمر القضاء وخرج من مدينة فتحها.
قصة لن تنسى ما بقيت الأيام.
