بين السجود والسراب |حين تصبح الحسنات هباءً منثورًا

A.H
المؤلف A.H
تاريخ النشر
آخر تحديث

هباءً منثوراً… حين يتحول جبلُ الأعمال إلى سراب!

يقف المؤمن في سكون الليل، وتحت وطأة السجود، وقلبه يرتجف بين يدي الله. يقرأ القرآن، ويتصدق، ويصوم، ويصل رحمه، ويبرّ والديه، ويدعو إلى الخير، ويبذل من وقته وجهده وماله. يظن – وهو محق في ظنه – أن هذه الأعمال ستكون له نورًا يوم القيامة وذخرًا ونجاة.

لكن… هل فكّر يومًا أن هذه الأعمال نفسها قد تتحول إلى لا شيء؟
إلى غبارٍ تذروه الرياح؟

﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾

[الفرقان: ٢٣]

آيةٌ تقشعرّ لها الجلود.
آيةٌ تجعل المؤمن يراجع قلبه قبل أن يراجع عمله.

وقد ذكر جمهور المفسرين أن هذه الآية في أصلها في الكفار الذين عملوا أعمالاً في ظاهرها الخير، لكنها خلت من الإيمان الصحيح، فلم تُقبل منهم. غير أن العبرة بعموم اللفظ، فهي تحذيرٌ لكل من لوّث عمله بالشرك الخفي أو الرياء، ولكل من ظن أن صورة العمل تكفي دون صدق التوجّه إلى الله.

🔍 من هم الذين صارت أعمالهم هباءً؟

إنهم قوم عملوا أعمالاً عظيمة في ظاهرها.
أعمالاً لو رأيناها لقلنا: هؤلاء من أهل الصلاح.

  • حجّ، وصدقات، وقيام ليل
  • وتلاوة قرآن، وصيام، وبرّ
  • وإصلاح بين الناس…

أعمال كجبال تهامة شموخًا وعظمة.

لكن المفاجأة المدوية أن الله تعالى يأتي إلى هذه الأعمال فيجعلها هباءً منثورًا؛ لا ثواب فيها، ولا نور، ولا وزن لها في الميزان.

خسروا أعمارهم.
وتحوّل الجهد إلى سراب.

هباءً منثوراً… حين يتحول جبلُ الأعمال إلى سراب!



❓ ما السرّ في هذا المصير المرعب؟

السرّ كله في كلمة واحدة هي روح الدين ولبّه: الإخلاص.

الإخلاص أن لا يكون في قلبك شاهدٌ على عملك إلا الله،
وألا تنتظر عليه جزاءً إلا منه.

لم تكن المشكلة في كثرة العمل أو قلّته، بل في وجهته.
لم تكن في صورته، بل في سره.

تسللت نوايا خفية، وأهداف دنيوية: سمعة، مدح، ثناء، رياء، حب ظهور، عجب بالنفس، غرور بالعمل… فهوت الأعمال من عليائها.

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾

[البينة: ٥]

فالعمل بلا إخلاص كجسد بلا روح،
وصورة بلا حقيقة،
وظلّ بلا أصل.

💔 الإفلاس الحقيقي

بيّن النبي ﷺ حقيقة الإفلاس في الحديث الصحيح:

«المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»

(رواه مسلم)

هذا هو الإفلاس الأكبر:
أن تأتي بحسنات كالجبل، ثم تخرج من الموقف صفر اليدين.

ليس أخطر ما نخافه أن نعصي،
بل أن نعمل ثم لا يُقبل منا.

📌 دروس لا بد أن نقف عندها

1️⃣ الإخلاص شرط القبول

لا قيمة لأي عمل بلا إخلاص.
الله لا ينظر إلى كثرة العمل، بل إلى صدقه.
القلوب هي محلّ نظر الرب.

2️⃣ مراقبة النية باستمرار

النية تتقلب، والشيطان لا ييأس.
قد يبدأ العمل خالصًا، ثم يدخله الرياء في منتصف الطريق.

كان سفيان الثوري رحمه الله يقول:
"ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي."

وهذا حال الصادقين: مجاهدة دائمة لقلوبهم قبل جوارحهم.

3️⃣ الخوف من عدم القبول

كان السلف يخافون على أعمالهم ألا تُقبل أكثر من خوفهم ألا تُفعل.
كانوا يعملون وهم وجلون،
ويخفون حسناتهم كما يُخفى الذنب.

ليس خوفًا من سوء الظن بالله،
ولكن خشيةً من تقصير النفس.

 الخاتمة

إن أخوف ما نخافه على أنفسنا ليس أن نكون من العصاة المجاهرين، بل أن نكون من العمال المجتهدين الذين يُردّ عملهم.

أن نقف بين يدي الله،
وقد صلّينا وصمنا وتصدقنا وبكينا،
ثم نجد أعمالنا قد تحولت إلى هباءٍ منثور.

فلنفتش عن قلوبنا قبل أن نفتش عن أعمالنا.
ولنُصلح السرائر قبل الظواهر.
ولنجعل بيننا وبين الرياء سورًا من مجاهدة وصمت وإخفاء.

نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم،
وأن يرزقنا صدق النية،
وأن يتقبّل منا القليل،
وأن لا يجعل لنا عملًا حابطًا ولا سعيًا خاسرًا.

اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين،
اللهم تقبّل منا إنك أنت السميع العليم،
وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. آمين.


مقال ديني عن الإخلاص والرياء

تحليل المقال
..
متواجدون ...
👁️
مشاهدات ...
📝
كلمات 0
⏱️
قراءة 0 د
📅
نشر 25/02/2026
♻️
تحديث 25/02/2026

تعليقات

عدد التعليقات : 0